من هو علي عدنان مندريس؟

“إننا نسير على خطى أجدادنا الفاتحين مثل السلطان ألب أرسلان والسلطان محمد الفاتح، وعلى خطى قادتنا العظماء أمثال عدنان مندريس”
كانت تلك العبارة جزءا من كلام الرئيس التركي أردوغان أمام شعبه ونتوقف هنا عند وصفه (عدنان مندريس) بالقائد العظيم ليثير في النفس تساؤلات من هو مندريس؟ ولماذا وصفه بذلك؟
نشأته وتعليمه:
ولد علي عدنان إرتكين مندريس (Ali Adnan Ertekin Menderes) عام 1899م في منطقة أيدين بولاية أضنة لعائلة ميسورة الحالة وعرف بذكائه وفطنته تلقى تعليمه في مدرسة “الاتحاد والترقي” بإزمير المعروفة بتوجهها الليبرالي وبعدها انتقل إلى أنقرة ليكمل تعليمه في كلية الحقوق والتي تخرج منها في عام 1935م كان رئيس وزراء تركيا الحديثة وهو سياسي تركي بارز.
مسيرته السياسية والنضالية:
انخرط مندريس في الحزب الجمهوري الحر، وأسس فرعاً للحزب الذي قرر ممارسة السياسة من خلاله في أضنة لكن الحزب سريعاً ما ضربته الخلافات واتخذ قرارا بحل نفسه لينتقل مندريس إلى حزب الشعب الجمهوري وهو الحزب الذي أسسه أتاتورك، ويصبح نائباً عن أضنة على قوائم الحزب قبل أن يقال من الحزب بسبب معارضته لقانون طرحه عصمت إينونو رئيس الوزراء والحزب حينئذ.
في السابع من ديسمبر 1945م أسس عدنان مندريس مع أصدقائه الحزب الديمقراطي وهو أول حزب تركي معارض في تاريخ الجمهورية التركية الحديثة ليدخل مندريس مرحلة جديدة من حياته السياسية فيها كثير من النجاحات وشيء لا بأس به من الإخفاقات.
شارك مندريس بعد عام من تأسيسه الحزب الديمقراطي في الانتخابات وحصل على 62 مقعدا وظل مندريس يناضل على مستوى حزبه، وشارك في انتخابات 1950م حيث فاز بأغلبية ساحقة مكنته من تشكيل حكومة جديدة وشكلت النهاية لهيمنة حزب الشعب الجمهوري الذي كان مسيطرا على مقاليد الحكم منذ تأسيس الجمهورية التركية الجديدة سنة 1923م.
خاض مندريس حملته الانتخابية ببرنامج لم يتوقع أحد له النجاح مبني على أساس عدم تدخل الحكومة في شؤون القطاعات الخاصة كما كان يحدث في السابق ووعود بتخفيف الإجراءات العلمانية الصارمة وإعطاء المزيد من حرية الاعتقاد والديمقراطية.
عدنان مندريس يقود الحكومة التركية:
شهدت تركيا خلال حكم حزب مندريس نهضة حقيقية نتيجة الإصلاحات الاقتصادية التي أقرتها حكومته منها رفع القيود أمام الواردات وخفض نسبة الفائدة وإجراءات قانونية لخصخصة المؤسسات الاقتصادية الحكومية بهدف تشجيع دخول الأموال الأجنبية إلى خزينة الدولة وأصبح اقتصاد تركيا خلال حكم مندريس ينافس اقتصادات الدول الأوروبية آنذاك بعدما حقق الناتج القومي الإجمالي لتركيا نمواً بنسبة 9%.
كسبت حكومة مندريس ثقة الشعب التركي خلال أربع سنوات من الحكم مما جعل حزبه يفوز بأغلبية ساحقة وصلت إلى 93% من مقاعد المجلس في انتخابات 1954م، واستمرت حكومته في الإصلاحات التي بدأتها.
أما في سياسته الخارجية اتبع مندريس المبدأ الذي يهدف إلى اندماج تركيا مع الغرب فانضمت تركيا في عهده إلى حلف شمال الأطلسي وأقام علاقة قوية مع الولايات المتحدة وقام أيضا بإرسال قوات تركية إلى الحرب الكورية.
وفي عودتنا إلى عام 1931م أثناء حكم أتاتورك فوجئ الأتراك ولأول مرة في تاريخهم أنهم يسمعون الأذان بلغتهم التركية بدلا من العربية، كما فوجئوا بإلغاء وزارة الأوقاف وإغلاق بعض المساجد والمدارس الدينية ومنع الحروف العربية ليعبر الكثير عن رفضهم لتلك القرارات بالخروج في مظاهرات حاشدة وخاصة في بورصا. وواجهت الحكومة حينها تلك المظاهرات بالقوة فتم القبض على عدد كبير منهم وفرضت عليهم الغرامات وتعرضوا للضرب والتعذيب ووصل الأمر لإدخالهم مصحة الأمراض العقلية حال استمر لـ 18 سنة ليأتي شخص ويقف أمام طوفان هذه القرارات ويتحدى الجميع مقدما حياته ثمنا لمواقفه.
لم يعلن مندريس يوما من الأيام أن توجهه إسلامي فجل الأحزاب التي انخرط من خلالها في العمل السياسي كانت علمانية، ولكن الرجل وعد الشعب بإصلاحات ديمقراطية وخاصة في مجال الحرية والاعتقاد ومن تلك الوعود إعادة الأذان باللغة العربية والسماح للأتراك بأداء فريضة الحج والعمرة وفتح مدارس لتعليم اللغة العربية وإلغاء تدخل الدولة في زي المرأة أي الحرية في ارتداء الحجاب وتغطية الرأس.
وعندما فاز مندريس في الانتخابات وفى بتلك الوعود وغيرها من وعوده في مجالات أخرى وينبغي أن نشير هنا إلى أن تلك الانتخابات جاءت معبرة عن نبض الشارع التركي وهويته الإسلامية والتي لم تتأثر كثيرا بالإجراءات العلمانية التي اتخذها أتاتورك.
الانقلاب على حكومة عدنان مندريس:
وفي عام 1955م بدأ خصوم مندريس في اختلاق مشاكل من أجل إسقاط حكومته بداية من الاعتداء على الأقليات المتواجدة بتركيا وحشد غضب شعبي داخل الجامعات والجيش واستمروا في تأليب الشارع التركي ضد سياساته من خلال المظاهرات وأعمال الشعب التي أحدثوها في البلاد خاصة في مدينتي أنقرة وإسطنبول.
لم يتحمل العسكريون الأتراك مساحة الحرية الواسعة التي قدمها مندريس للشعب وكذلك إعادة تركيا إلى بوصلتها الإسلامية مرة أخرى وكان أهم الأسباب أن مندريس رفض هيمنة بعض مؤسسات الدولة على اقتصادها وفي القلب منها المؤسسة العسكرية وعندها بيتوا نيتهم للانقضاض على الحكم وكان لهم ذلك في صباح 27 مايو 1960م حيث تحرك الجيش التركي ليقوم بأول انقلاب عسكري خلال العهد الجمهوري حيث سيطر على الحكم 38 ضابطا برئاسة الجنرال جمال غورسال وأحال الانقلابيون 235 جنرالا وخمسة آلاف ضابط بينهم رئيس هيئة الأركان إلى التقاعد وتم إقاف نشاط الحزب الديمقراطي الذي يرأسه مندريس واعتقل رئيس الوزراء عندنان مندريس ورئيس الجمهورية جلال بايار مع عدد من الوزراء وأرسلوا إلى سجن في جزيرة ياسي أدا.
وبعد محاكمة صورية تم سجن رئيس الجمهورية مدى الحياة، فيما حكم بالإعدام على عدنان مندريس ووزير خارجيته فطين رشدي ووزير ماليته حسن بلاتقان بتهمة تقويض النظام العلماني وإعادة إشراك الدين في شؤون الدولة ! وفي اليوم الثاني لصدور الحكم في 17 سبتمبر عام 1960م تم تنفيذ حكم الإعدام بمندريس رحمه الله وتثبله عنده من الشهداء، وبعد أيام نُفذ حكم الإعدام بوزيريه رحمهما الله.
إعادة الاعتبار لمندريس ورفاقه:
تطلب الامر حوالي 29 سنة عندما قررت تركيا رد الاعتبار إلى عدنان مندريس وذلك عندما قرر الرئيس السابق تورغوت أوزال إصدار أوامر بنقل رفات مندريس ورفاقه رحمهم الله من جزيرة ياسي أدا حيث دفنوا بعد إعدامهم إلى مقبرة خاصة أقامتها بلدية إسطنبول على تلة قريبة من منطقة طوب قابي.
وفي مايو سنة 2020 افتتح الرئيس التركي أردوغان جزيرة “الديمقراطية والحريات” في إسطنبول تزامنا مع الذكرى الستين لانقلاب 27 مايو 1960م وألقى كلمة قال فيها “إن انقلاب 27 مايو 1960م كان أحد أسوأ الأيام في تاريخ تركيا، مضيفاً أن محاكمة مندريس رحمه الله كانت “محاكمة لشعبنا وتاريخه ولأمتنا، وتلك خطوط سوداء لن تُمحى من جبين الذين أصدروا قرار الإعدام على مندريس وزملائه رحمهم الله”
ترجل الفارس النبيل مندريس عن دنيانا لكنه ترك في ذاكرة التاريخ وآثارا خالدة تؤكد انه وأمثاله كنوز نادرة ووجودهم ضرورة لفتح الثغرات في الطريق المسدود أمام الحق والعدل وموتهم بهذه الصورة دفاعهم عن مبادئهم السامية أعظم دليل على أن هذه الامة في فجر حضارتها ويقينا ستشرق شمسها من جديد وعسى أن يكون قريبا.







