تعريف كتاب: “ضد الديمقراطية والمساواة”

بطاقة تقنية للكتاب:
- تأليف: توميسلاف سونيتش (Tomislav Sunić) – مفكر كرواتي-أمريكي، أحد أبرز منظري تيار “اليمين الأوروبي الجديد” (Nouvelle Droite)
- الترجمة: حيدر عبد الواحد راشد
- الناشر العربي: نابو للنشر والتوزيع
- تاريخ النشر الأصلي: 2015 (عن دار Arktos Media)
- تاريخ النشر العربي: 2022
- العنوان الأصلي: Against Democracy and Equality: The European New
- التصنيف: فلسفة سياسية – نقد الليبرالية – اليمين الجديد – نظرية النخبة
مقدمة:
يُعد هذا الكتاب واحدًا من أكثر الأعمال إثارة للجدل في الفلسفة السياسية المعاصرة، حيث يقدم نقدًا جذريًا لمفهومي الديمقراطية والمساواة كما صاغتهما الحداثة الغربية والثورة الفرنسية. يمثل هذا العمل صدى فكريًا لتيار “اليمين الأوروبي الجديد” (Nouvelle Droite)، الذي ظهر في فرنسا في أواخر الستينيات بزعامة آلان دي بنوا، وسعى إلى تقديم بديل ثقافي وفلسفي لليبرالية والماركسية على حد سواء .
ما يميز سونيتش عن غيره من نقاد الليبرالية هو خلفيته المزدوجة: كرواتي الأصل، أمريكي بالهجرة والأكاديميا. هذا الموقع المزدوج يمنحه قدرة على نقد الديمقراطية الغربية “من الداخل” (كمواطن أمريكي) و”من الخارج” (كشخص نشأ في ظل الاشتراكية اليوغوسلافية). وهو أيضًا أحد القلائل الذين ترجموا أفكار “اليمين الجديد” الأوروبي إلى اللغة الإنجليزية، مما جعله جسرًا فكريًا بين التقليدين.
الكتاب ليس مجرد هجوم عشوائي على الديمقراطية، بل هو دعوة فكرية لإعادة النظر في المسلمات السياسية الحديثة. يطالب سونيتش بالعودة إلى نظم اجتماعية تحترم “التراتبية الطبيعية” والتمايز الثقافي، بدلاً من السعي وراء مساواة يراها وهمية ومدمرة للمجتمعات.
المقدمة: أزمة الديمقراطية الغربية
يفتتح سونيتش كتابه بتأكيد أن الغرب يعيش أزمة عميقة لا تقتصر على الاقتصاد أو السياسة، بل هي أزمة قيم. القيم التي قامت عليها الحداثة – الحرية، المساواة، حقوق الإنسان – لم تعد قادرة على تقديم إجابات مقنعة عن الأسئلة الوجودية للفرد: من أنا؟ إلى أي جماعة أنتمي؟ ما هو الهدف من الحياة؟
هذه الأزمة، حسب سونيتش، ناتجة عن هيمنة النموذج الليبرالي الذي اختزل الإنسان إلى مجرد “مستهلك” و”ناخب”، وتجاهل أبعاده الروحية والثقافية والتاريخية. الديمقراطية الليبرالية، في نظره، لم تعد تعبيرًا عن “إرادة الشعب” (كما تزعم)، بل أصبحت مجرد آلية لإدارة المصالح الاقتصادية الكبرى .
في هذا السياق، يقدم سونيتش بديلاً جذريًا: العودة إلى فكرة التراتبية الطبيعية (natural hierarchy) والخصوصية الثقافية، رافضًا فكرة أن “جميع البشر متساوون” أو أن “الديمقراطية هي الشكل الأمثل للحكم”.
الفكرة المركزية
الفكرة المركزية للكتاب هي أن الديمقراطية والمساواة هما “أوهام” حداثية، لم تنجح في تحقيق وعودها، بل أسهمت في:
- تسطيح المجتمع (تدمير التراتبية الطبيعية).
- إضعاف التميز (خنق المواهب الفردية لصالح المتوسط العام).
- تآكل الهوية الثقافية (صهر الشعوب في بوتقة واحدة).
- استبداد الأغلبية (الديمقراطية كحكم الجماهير غير الملمة بالشؤون العامة).
يرى سونيتش أن فكرة المساواة المطلقة (القائلة بأن جميع البشر متساوون في القدرات والقيمة) هي فكرة “طوباوية” تخالف الطبيعة البشرية والتنوع الإنساني. التاريخ والمجتمعات الطبيعية، حسبه، تظهر أن البشر ليسوا متساوين، وأن التمايز والتراتبية هما القاعدة، وليس الاستثناء. محاولة فرض المساواة بالقوة (عبر إعادة التوزيع، سياسات التمييز الإيجابي، وقوانين مكافحة التمييز) تؤدي إلى:
- تنميط المجتمع: تحويل الأفراد إلى “وحدات استهلاكية” متشابهة.
- إضعاف التميز: خنق المواهب والقدرات الفردية لصالح المتوسط العام.
أما الديمقراطية، فالنظام الديمقراطي البرلماني الحديث، في نظر سونيتش، هو شكل من أشكال “الاستبداد الناعم”. فهو يخلق وهم المشاركة، بينما القرارات الحقيقية تُتخذ بعيدًا عن الجماهير (من قبل اللوبيات، البيروقراطيين، وقادة الرأي). كما أن النظام الديمقراطي الحالي يفتقر إلى البعد الروحي والقيمي، مما يؤدي إلى حالة من “الاغتراب” لدى الفرد .
- وبناءً على هذه الفكرة، يرفض سونيتش كلا من:
- الليبرالية الغربية : التي تخلق مجتمعًا عديم الهوية، قائمًا فقط على العقود والقوانين.
- الاشتراكية/الماركسية : التي تختزل الإنسان في “طبقة” وتضحي بحريته الفردية من أجل “المساواة الاقتصادية”.
- البديل، حسب سونيتش، هو “اليمين الجديد” (Nouvelle Droite)، الذي يدعو إلى:
- مجتمعات قائمة على الهوية الثقافية والتراتبية الطبيعية.
- “إثنوخراشية” (ethnocracy) وليس ديمقراطية: أي أن الأولوية للحفاظ على الهوية القومية والعرقية، وليس للمساواة المجردة.
- “روحانية أوروبية” (European spirituality) بدلاً من العلمانية المفرطة .
المحور الأول: نقد “أسطورة” المساواة (The Myth of Equality)
هذا المحور هو الأكثر جرأة في الكتاب، وربما الأكثر إثارة للجدل. يبدأ سونيتش بتحليل مفهوم “المساواة” كما صاغته الثورة الفرنسية والحداثة الغربية.
أصل الأسطورة: المساواة، حسب سونيتش، ليست “حقيقة” علمية أو “قانونًا” طبيعيًا، بل هي “أيديولوجيا” نشأت في سياق تاريخي محدد (أوروبا ما بعد الثورة الفرنسية) لخدمة أهداف سياسية محددة: كسر شرعية النبلاء والأرستقراطية، وتبرير صعود البرجوازية.
لماذا هي “أسطورة”؟ يقدم سونيتش ثلاث حجج رئيسية:
الحجة البيولوجية (الطبيعية) : البشر ليسوا متساوين بيولوجيًا. هناك فروق في الذكاء، القوة البدنية، المواهب، الصحة، وحتى الاستعدادات الأخلاقية. المساواة المطلقة تنكر هذا التنوع.
الحجة التاريخية : لم توجد في التاريخ أي مجتمع “متساوٍ” حقًا. كل المجتمعات البشرية عرفت شكلاً من أشكال التراتبية (الزعماء، الكهنة، المحاربون، العبيد). المساواة هي “استثناء” حديث وقصير العمر.
الحجة الأخلاقية: محاولة فرض المساواة بالقوة تؤدي إلى ظلم أكبر. فمعاقبة الموهوبين والمجتهدين لصالح الأقل موهبة هو، في نظر سونيتش، “غير أخلاقي”.
عواقب أسطورة المساواة: حسب سونيتش، أدى الإيمان بالمساواة إلى:
تدمير التراتبية الطبيعية: المجتمع الأرستقراطي التقليدي كان يعترف بوجود “أفضل” وأكثر “نبلًا”. المساواة جعلت الجميع “متوسطين”.
العداء للتميز: العبقرية والموهبة أصبحت موضع شك، بل عداء.
تآكل الأسرة والتقاليد: المساواة بين الجنسين، حرية الاختيار، زواج المثليين – كلها “انحرافات” عن النظام الطبيعي .
المحور الثاني: أزمة الديمقراطية الليبرالية (The Crisis of Liberal Democracy)
بالنسبة لسونيتش، الديمقراطية الليبرالية ليست “قمة التطور السياسي”، بل هي نظام هش وفاسد ومهدد بالانهيار من الداخل. يقدم سونيتش عدة نقاط ضعف في هذا النظام:
- أولاً: الاستبداد الناعم (Soft Tyranny) – الديمقراطية، في نظره، تخلق وهم المشاركة الشعبية، بينما القرارات الحقيقية تتخذ من قبل النخب الاقتصادية والإعلامية والبيروقراطية. المواطن العادي يشعر أنه “يشارك” عبر صندوق الاقتراع، لكن تأثيره الحقيقي على السياسات شبه معدوم.
- ثانياً: استبداد الأغلبية (Tyranny of the Majority) – الأغلبية غير الملمة بالشؤون العامة يمكنها اتخاذ قرارات كارثية تحت تأثير العواطف والشعبوية والجهل. الديمقراطية، بهذا المعنى، ليست “حكم العقل” بل “حكم الأكثر عدداً”.
- ثالثاً: فقدان البعد الروحي – الديمقراطية علمانية بحكم تعريفها. هذا يجرد المجتمع من أي غرض أسمى، ويترك الفرد في فراغ وجودي. الإنسان في الديمقراطية الليبرالية اختُزل إلى مجرد “ناخب” و”مستهلك”، وفُقدت الأبعاد الروحية والوجودية للحياة.
- رابعاً: الصراع بدلاً من الوحدة – الديمقراطية تقوم على التنافس بين الأحزاب والجماعات. هذا التنافس، بدلاً من أن يوحد المجتمع، يمزق النسيج الاجتماعي ويخلق صراعات دائمة بين “يسار” و”يمين”، بين “أغلبية” و”أقلية”، بين “مواطنين” و”أجانب”.
- خامساً: العولمة وصهر الهويات – الديمقراطية الليبرالية، بالتحالف مع العولمة، تسعى إلى “صهر” كل الثقافات في بوتقة واحدة: رأسمالية، استهلاكية، علمانية، عالمية. هذا التطبيع (normalization) يقضي على الخصوصيات الثقافية والتاريخية للشعوب، ويذيبها في “حضارة عالمية” واحدة تهيمن عليها أمريكا.
البديل الديمقراطي؟ سونيتش لا يدعو صراحة إلى “الديكتاتورية” أو “الفاشية” (وهو يتجنب هذه المصطلحات عمدًا، لأنها “ملوثة” تاريخيًا). لكنه يلمح إلى نماذج بديلة مثل: الدولة العضوية (Organic State) التي كانت سائدة قبل الثورة الفرنسية، والنظام الطبقي الأفلاطوني القائم على حكم الفلاسفة، و”الديمقراطية العضوية” التي اقترحها بعض مفكري اليمين الجديد (حكم النخب التي تمثل “روح الأمة”).
المحور الثالث: الهوية والخصوصية الثقافية – ضد العولمة والتنميط (Identity, Culture, and Particularism)
إذا كان اليسار الكلاسيكي يركز على “الطبقة” واليمين الليبرالي يركز على “الفرد”، فإن “اليمين الجديد” يركز على “الهوية” و”الثقافة” كمرجعية أساسية للسياسة.
أهمية الهوية: يرى سونيتش أن كل إنسان يحتاج إلى الانتماء إلى جماعة (أمة، عرق، دين، ثقافة) ليشعر بالمعنى والاستقرار. الديمقراطية الليبرالية، بنزعتها الفردية والعالمية، تدمر هذه الروابط.
الخصوصية الثقافية مقابل العالمية: المشكلة الكبرى التي يراها سونيتش في الديمقراطية الليبرالية هي أنها “عالمية” (تريد تطبيق نفس النموذج على كل البشر). هذا يتجاهل الخصوصيات الثقافية والتاريخية لكل شعب.
حرب الثقافات (Culture War): يرى سونيتش أن الصراع الحقيقي في العالم الحديث ليس بين الرأسمالية والاشتراكية، بل بين الثقافات والحضارات. العولمة، والإعلام، والهجرة، كلها أدوات لـ”إبادة ثقافية” بطيئة للشعوب الأوروبية، التي تُستبدل بثقافة عالمية موحدة (أمريكية في جوهرها) .
مشكلة الهجرة والتنوع (Multiculturalism): سونيتش من أشد منتقدي سياسات “التعددية الثقافية” (Multiculturalism). يرى أنها غير مجدية، لأن:
- الثقافات المختلفة لا يمكن أن تتعايش في سلام بدون صراع.
- تعدد الثقافات يؤدي إلى إضعاف الثقافة الأصلية (الأوروبية).
- المهاجرون لا يندمجون (ولا يجب أن يندمجوا) في المجتمعات الأوروبية، مما يخلق جيوباً معادية.
الحل، حسب سونيتش، هو “الإيثنوكراشية” (Ethnocracy) : سياسات تحافظ على الأغلبية العرقية والثقافية، وتحد من الهجرة، وتفضل “الخصوصية” على “العالمية” .
المحور الرابع: المرجعيات الفكرية – نيتشه، كارل شميت، واليمين الجديد
في هذا المحور، يكشف سونيتش عن الجذور الفكرية لرؤيته. هو لا يخترع أفكارًا جديدة، بل يعيد إحياء وإعادة قراءة مفكرين “محظورين” في الأوساط الأكاديمية السائدة .
فريدريك نيتشه (Friedrich Nietzsche) : المؤثر الأكبر على سونيتش. من نيتشه، يستقي:
- نقد القيم المسيحية والليبرالية (الرحمة، المساواة، الشفقة على الضعفاء).
- فكرة “إرادة القوة” و”الإنسان الأعلى” (Übermensch) الذي يتجاوز الأخلاق التقليدية.
- معاداة الديمقراطية: نيتشه كان يحتقر “القطيع” (the herd) و”آخر إنسان” (Last Man) الذي يريد فقط الراحة والمساواة.
كارل شميت (Carl Schmitt) : الفيلسوف الألماني، أحد أبرز منتقدي الديمقراطية الليبرالية في القرن العشرين. من شميت، يستقي سونيتش:
- فكرة “الصديق/العدو” (Freund/Feind) كجوهر السياسة.
- نقد البرلمانية: شميت رأى أن البرلمانية تخلق وهم المناقشة، بينما القرارات الحقيقية تتخذ بالإجماع أو بالصراع.
- فكرة “الاستثناء” (State of Exception) حيث تتعطل القوانين العادية.
آلان دي بنوا (Alain de Benoist) : مؤسس “اليمين الجديد” الفرنسي. من دي بنوا، يستقي سونيتش:
- رفض الليبرالية والماركسية معًا.
- العودة إلى “الجذور الهندوأوروبية” لأوروبا، وتقديم بديل “وثني” و”روحاني” للمسيحية.
- الدعوة إلى “اللامساواة” (inégalité) كقيمة إيجابية (التميز، الجدارة، التراتبية) .
المحور الخامس: نقد السياسات التقدمية المعاصرة (Critique of Progressive Politics)
في القسم الأخير من الكتاب، يطبق سونيتش أفكاره على قضايا الساعة، مهاجمًا السياسات التي تعتبرها اليسارية والليبرالية “تقدمية”.
نظرية النوع الاجتماعي (Gender Theory) : يرى سونيتش أن نظريات “الجندر” (Gender) هي تدمير للأسرة التقليدية والفروق الطبيعية بين الرجال والنساء. المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، في نظره، تعني “تذكير” المرأة وفقدانها لخصوصيتها الأنثوية.
الهجرة واللجوء : كما ذكر سابقًا، سونيتش يرى أن سياسات الهجرة الأوروبية هي شكل من أشكال “الإبادة البيضاء” (white genocide)، حيث يتم استبدال السكان الأصليين بمهاجرين من ثقافات مختلفة.
سياسات الهوية والتمييز الإيجابي (Identity Politics & Affirmative Action) : سونيتش يرى أن سياسات التمييز الإيجابي هي “عكس المساواة”، بل هي “تمييز عكسي”. تفضل الأقليات على حساب الأغلبية، وتعاقب الأفراد الموهوبين لمجرد أنهم “ينتمون إلى المجموعة الخطأ”.
حقوق الإنسان : المفهوم الليبرالي لـ”حقوق الإنسان” (الإنسان المجرد من أي هوية ثقافية أو تاريخية) هو، حسب سونيتش، “أداة للهيمنة الغربية” وليس حقيقة عالمية. الشعوب غير الغربية لها حقوقها وتقاليدها التي قد تتعارض مع “حقوق الإنسان” الغربية.
التغير المناخي والبيئة : سونيتش ينتقد “الخطاب الأخضر” كأيديولوجيا نخبوية جديدة تخفي مصالح رأسمالية، وتستخدم لإخضاع الدول النامية وسرقة سيادتها .
نقاط القوة والإرث
الوضوح والصراحة: يكتب سونيتش بأسلوب مباشر وجريء، لا يختبئ وراء مصطلحات أكاديمية معقدة. وهذا يجعله مؤثرًا في دوائر اليمين البديل (Alt-Right) ونقاد الليبرالية.
توفيق بين التقاليد: استطاع سونيتش أن يقدم أفكار “اليمين الجديد” الأوروبي للقارئ الناطق بالإنجليزية وللعالم العربي، مما جعله جسرًا فكريًا بين التقليدين القاري والأنجلوسكسوني.
شجاعة فكرية: انتقاده للمسلمات المقدسة في السياسة الغربية الحديثة (الديمقراطية، المساواة، حقوق الإنسان) يحتاج إلى جرأة فكرية، خاصة في بيئة أكاديمية وأكاديمية تعتبر هذه القيم “مقدسة”.
الانتقادات
الطوباوية الرجعية: منتقدو سونيتش يرون أن عودته إلى “المجتمع الطبيعي” و”التراتبية” و”الدولة العضوية” هي أسطورة أخرى لا تقل خطورة عن أسطورة المساواة. المجتمعات التقليدية كانت قمعية وغير عادلة للكثيرين (النساء، الأقليات، العبيد).
معاداة الديمقراطية: دعوته إلى “الإيثنوكراشية” هي دعوة صريحة إلى نظام عنصري، يفرق بين المواطنين على أساس العرق أو الدين أو الأصل.
الانتقائية الفلسفية: انتقاؤه لنيتشه وشميت وآخرين هو “انتقائي” (eclectic). وهو يتجاهل الجوانب غير المريحة في فكر هؤلاء (مثل معاداة نيتشه لأي شكل من أشكال القومية، وتورط شميت مع النازية).
غياب البديل العملي: الكتاب يقدم نقدًا قويًا، لكنه لا يقدم بديلاً واضحًا وعمليًا. “الدولة العضوية” و”النظام الطبقي” هي أوصاف طوباوية غير قابلة للتحقيق في عالم معقد ومترابط.
نبذة عن المؤلف
توميسلاف سونيتش (Tomislav Sunić – مواليد 1953)
مفكر كرواتي-أمريكي، أحد أبرز منظري “اليمين الأوروبي الجديد” في العالم الناطق بالإنجليزية. وُلد في زغرب، كرواتيا (يوغوسلافيا سابقًا). حصل على الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا، سانتا باربرا، ثم عمل أستاذًا في العلاقات الدولية.
اشتهر بترجمته وتقديم أفكار آلان دي بنوا (مؤسس اليمين الجديد الفرنسي) إلى اللغة الإنجليزية، وكتب العديد من الكتب والمقالات التي تنتقد الليبرالية والديمقراطية والمساواة، ويُعتبر أحد أكثر المفكرين تأثيرًا في دوائر “اليمين البديل” (Alt-Right) .
من أعماله الأخرى:
- Against Democracy and Equality: The European New Right (2015)
- Homo Americanus: Child of the Postmodern Age (2017)
- The European New Right: A Historical, Philosophical, and Political Overview (2019)
الاستنتاج الفكري
يكمن المغزى الأساسي لهذا الكتاب في “جرأة طرح الأسئلة المحرمة”. في وقت تعتبر فيه الديمقراطية والمساواة “مسلمات” لا يمكن مساءلتها في الخطاب الغربي السائد، يفتح سونيتش نافذة على تيار فكري كامل (اليمين الجديد) يقول: “لنتوقف عن تقديس الديمقراطية، ولنفكر في بدائل”.
الدرس الأول: الديمقراطية ليست “نهاية التاريخ” . هزيمة الاتحاد السوفيتي لم تعنِ “نهاية التاريخ” (فوكوياما) ونصرًا نهائيًا للديمقراطية الليبرالية. الديمقراطية الليبرالية تعاني من أزمات عميقة، وقد لا تكون الحل الأمثل لكل المجتمعات.
الدرس الثاني: المساواة ليست قيمة مطلقة . المساواة المفرطة يمكن أن تقتل التميز والفضيلة والإبداع. المجتمع العادل ليس بالضرورة هو المجتمع “المتساوي”، بل المجتمع الذي يعترف بالاختلافات والتراتبية.
الدرس الثالث: الهوية أهم من الطبقة. نقد اليسار الكلاسيكي الذي يركز على الاقتصاد والطبقة يتجاهل حاجة الإنسان إلى الانتماء والهوية. الثورات الفاشلة في العالم العربي، وصعود القوميات والشعبويات في أوروبا وأمريكا، تظهر أن “الهوية” قد تكون محركًا أقوى من “الاقتصاد”.
لكن التحذير الأكبر من سونيتش هو: “البدائل” التي يدعو إليها (العنصرية، الإيثنوكراشية، معاداة الديمقراطية) هي، من وجهة نظر منتقديه، أسوأ من المرض الذي يحاول علاجه. تاريخ أوروبا في النصف الأول من القرن العشرين (الفاشية والنازية) هو شاهد على الكوارث التي تنتج عن “البدائل” للديمقراطية الليبرالية.
الكتاب إذًا ليس دليلاً عمليًا، بل هو اختبار للقارئ: هل أنت مستعد للاستماع إلى “غير المقبول”؟ هل أنت مستعد للدفاع عن الديمقراطية والمساواة بعد أن تعرضت لنقد قوي، وليس قبل ذلك؟
خلاصة نهائية
“”ضد الديمقراطية والمساواة”” هو كتاب “سم” في ثقافة الليبرالية الغربية، ودواء في ثقافة “اليمين الجديد”. إنه عمل صادم، لكنه أيضًا عمل فكري جاد لا يمكن تجاهله لمن يريد فهم التيارات المضادة للحداثة في الغرب اليوم.
قوته:
- الجرأة الفكرية في طرح الأسئلة المحرمة.
- الوضوح والبساطة، رغم عمق الأفكار.
- توفيق بين التقليدين الأوروبي (الفلسفي) والأمريكي (السياسي).
ضعفه:
- الغياب شبه الكامل لبديل عملي قابل للتطبيق.
- النزعة العنصرية والتمييزية الصريحة في نقده للهجرة والتعددية الثقافية.
- الاختيارات الفلسفية المتحيزة (نيتشه، شميت) وتجاهل الجوانب المظلمة لفكرهما.
المفارقة: كتاب يدعو إلى “التراتبية الطبيعية” و”الخصوصية الثقافية” ويحتقر “الجماهير” و”القطيع”، هو نفسه موجه إلى جمهور نخبوي مثقف، ويُقرأ في دوائر أكاديمية مغلقة. أفكاره، إذا طُبقت، ستخلق مجتمعًا غير متساوٍ بامتياز، وهذا بالضبط ما وعد به.
إذا كنت تريد قراءة هذا الكتاب، كن مستعدًا للإهانة (خاصة إذا كنت تؤمن بالديمقراطية والمساواة)، وكن مستعدًا لمواجهة جانب مظلم من الفكر الغربي المعاصر، ليس من “خارج” الغرب، بل من “داخله” ومن “جذوره”.







