جغرافيا

الجبال المغربية: غنى وتنوع التراث الثقافي

يشمل التراث الثقافي مجموع المظاهر المادية وغير المادية التي تعبر عن خصوصية أنماط عيش ساكنة معينة لتحديد الهوية الاجتماعية والثقافية التي تمنح شعورا بالانتماء والاستمرارية داخل المجال. ويتعلق الامر في الجبال المغربية بكل بالمخلفات اللامادية المرتبطة بطرق العيش وكل ما له علاقة بالتراث الشفاهي والدرايات المحلية (فنون الصناعة التقليدية) وكذا المخلفات المادية المرتبطة بالهندسة المعمارية التقليدية. بالإضافة الى عوامل أخرى ذات حمولة معنوية وروحية كالزوايا والمزارات. كل هذه المقومات التراثية المحلية تستهوي رواد السياحة الجبلية لاكتشاف الجانب الثقافي الموغل في القدم.

الموروث المعماري التقليدي:

تعيش الساكنة الجبلية في المناطق الأمازيغية ضمن دواوير مشكلة من بنايات صغيرة تدعى بالأمازيغية ب “تكمي” تكون غالبا مكونة من طابق واحد، تتميز ببساطتها في البناء.  ونجد بجانبها بنايات ضخمة تدعى “إغرم” أي القصر وهي مكونة من أربعة طوابق وبمحادة التكمي نجد بناية أخرى تستخدم كمخزن للحبوب ومنتوجات الفلاح. هذا الى جانب العديد من القصبات والمنشآت الدفاعية (القصبات) التي زيادة على أهمية التاريخية تعد شواهد مادية على مستوى إبداع الانسان الجبلي في المجال العمراني.

قصبة آيت بن حدو شمال شرقي مدينة ورزازات

إن هذا الثراء المعماري والذي ينصهر في محيطه البيئي السوسيوثقافي، يشكل العمود الفقري لتنمية السياحة الثقافية وتثمين المنتوجات المحلية.

المهارات والصناعة التقليدية:

يعتبر قطاع الصناعة التقليدية من القطاعات الحيوية التي تزخر بها المناطق الجبلية المغربية وتساهم في إحياء التراث والمحافظة عليه.  وهي نشاط يشكل نتاج مجموعة من المهارات والخبرات وحصيلة ثقافة وتاريخ مرتبطين بالتنوع الاثني والثقافي. ومن الصناعات التقليدية الاكثر انتشارا بالمناطق الجبلية بالمغرب والتي بإمكانها المساهمة في تعزيز السياحة الجبلية وفي نفس الوقت الاستفادة من ازدهار هذا النشاط نجد:

  • صناعة الزرابي والنسيج: يرتكز هذا النشاط التقليدي على نمط عيش الساكنة الجبلية التي تعتمد بدرجة كبيرة على الرعي  الذي يمكن من توفير صوف الماعز والغنم في صناعة الزرابي وحياكة الالبسة الصوفية التي تتميز بطابعها المحلي وتختلف حسب المناطق. وتعد صناعة الزرابي بالمناطق الجبلية من أهم الصناعات التقليدية التي لازالت تحافظ على خصوصيتها المحلية سواء في المناطق العربية أو الامازيغية الى جانب نشاط الدرازة وكلها أنشطة تعكس المحيط السوسيوثقافي المعيش وتعبر عن الخصوصيات المحلية.
  • صناعة الخزف والاسلحة: تتمثل في صناعة الاواني الفخارية ذات الاستعمال المطبخي والتذكارات.

أما بالنسبة لصناعة الاسلحة فقد ارتبط ظهورها بالحياة المضطربة للمجموعات الجبلية في القديم. ويوظف فيها الصانع مواهبه في الزخرفة ليحصل على قطع فنية من أمثلة المكحلة والخنجر…

ومن هنا يتضح ان المناطق الجبلية تتوفر على درايات محلية من شأنها أن تهم في خلق أنشطة درة للدخل خاصة بالنسبة للنساء اللواتي يمكن إدماجهن في السياحة الثقافية المستدامة.

الفلكلور والعادات والاعراف المحلية:

تتميز المناطق الجبلية بوجود ألوان متنوعة من الفلكلور، تقدمها فرق ورثت هذه الفنون الشعبية عن طريق التواتر الشفهي ومازالت تحتفظ به. وتعتمد وسائل موسيقية مختلفة كما تؤدى بالعربية الدارجة أو الامازيغية حسب القبائل والتجمعات السكانية. ومن أبرز أنواع هذا الفلكور نجد رقصة أحديوس في الاطلس المتوسط ورقصة أحواش في منطقة سوس على الخصوص. ويتم أداء هذين الفنين التراثيين عن طريق المزج بين الغناء والرقص والانشاد الجماعي مع حضور المرأة في الغالب كما يتم إلقاء القصائد الزجلية المحبوكة والمواويل التي تعالج مواضيع مختلفة اجتماعية ودينية وسياسية ذات صلة بقضايا المجتمع.

ومن ابين الفنون الشعبية التراثية في المناطق الجبلية كذلك مت يمى في بعض المناطق الامازيغية ب “أمديازن”. وهم أشخاص أو شعراء يرددون قصائد شعرية تكسر هموم الناس وتعالج مواضيع عدة من قبيل الاخاء والصدق والمحبة، ومعالجة قضايا الساعة بطريقة تجعل المتلقي يحس بجودة الكلمة وتناسق العبارات.

من جهة أخرى تتميز ساكنة المناطق الجبلية بغنى وتنوع العادات والتقاليد والاعراف المحلية العريق والتي تتأسس على قيم التضامن وإكرام الضيوف وإيواء الزائرين وتنظيم اللقاءات والتفاعلات إحتراما للأصول والاعراف.

المواسم والمهرجانات:

تمثل المواسم إحدى أهم الظاهر الاجتماعية المتأصلة في ثقافة المجتمع المغربي، والتي لاتزال حاضرة بشكل أكثر حيوية. وقد ارتبطت بسكان الارياف وضمهم ساكنة المناطق الجبلية الذين دأبوا على تنظيمها في نهاية جمع محصولهم الفلاحي السنوي أو في بعض الفترات من السنة.

والمواسم في الاصل عبارة عن تجمع لقبيلة أو عدة قبائل حول ضريح أو ولي صالح قد يستمر عدة أيام يقيم فيه الزوار تحت الخيام ويشاركون في العادات، والتقاليد، والطقوس الترفيهية، والتنشيطية.

ومن بين أنواع المواسم التي تعرفها البوادي المغربية ومنها الجبال ما يسمى في بعض المناطق باللمة أو اللامة (بتشديد اللام والميم). وهي تجمع لأبناء المنطقة في تاريخ معين من السنة (في فصلي الربيع أو الصيف) حيث يحج إليها الضيوف من الزوار والسائحين من مناطق أخرى. ويتم خلال هذا التجمع نحر الذبائح والاطعام الجماعي وتلاوة القرآن الكريم وقراءة الأمداح والدعاء بالخير والصلاح للمحسنين والمتطوعين وخدمة الموسم

من جهة تشكل المهرجانات الفنية بدورها عنصرا أساسيا في تعزيز الجذب السياحي للمناطق الجبلية. حيث تعرف العديد من هذه المناطق تنظيم مهرجانات فنية سنوية متنوعة تكون مناسبة للتجمع واللقاء بين سكان المنطقة والاستمتاع بما يتخلل هذا المهرجانات من برامج وفعاليات كالفروسية والفلكلور المحلي ومعارض للمنتوجات المحلية الى جانب أنشطة رياضية وأحيانا ندوات وأنشطة ثقافية متنوعة. ومن نماذج هذه المهرجانات مهرجان حب الملوك بصفرو ، المهرجان السينمائي لإيموزار كندر، مهرجان ملكة جمال التفاح بإيموزار كندر، المهرجان السياحي لإيموزار كندر…

التراث الثقافي الديني:

تحتضن المناطق الجبلية تراثا ثقافيا دينيا غنيا، في مقدمته انتشار الكثير من الزوايا التي تشكل مكونا روحيا مهما بهذا المناطق. ويرتبط بهذه المؤسسات الدينية تنظيم العديد من المواسم في فترات مختلفة من السنة. ويبقى أبرز مواقيت تنظيمها ذكرى المولد النبوي على الخصوص. حيث تشهد هذه المناسبة إقبالا قويا على الزوايا التي تستقبل أبناء مناطق وجودها وضيوفهم الذي يفضلون إحياء هذه المناسبة بمسقط الرأس أو منطقة انتماء الاصول وتهي فرصة لصلة الرحم وزيارة الاهل والترويح عن النفس والاستمتاع بالمناظر الطبيعية وإحياء لعادات الغذائية والثقافية.

وتستمد مؤسسة الزوايا قوتها وصمودها بفعل الدعم القبلي الذي تحضى به واستمرار الحاجة إيها من طرف السكان لأخذ البركة والوقاية من الكوارث والازمات لتي قد تصيب المحاصيل الزراعية والمواشي. بل إن بعض المناطق لازالت تعتقد في قدرة شيخ الزاوية على علاج بعض الامراض. هذه المعتقدات تساهم في جلب ما يسمى بالسياحة الاستشفائية النفسية.

وبذلك يتضح أن المناطق الجبلية تزخر بإمكانات طبيعية وتراثية غنية ومتنوعة تشكل قيمة مضافة حقيقية لهذه المجالات، كونها تعطيها تميزا يساعدها على جذب الزوار من داخل المغرب وخارجه، وبالتالي تحقيق تنمية سياحية تعود بالنفع على الاقتصاد والمجتمع المحليين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *